المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الحرص على التزام الناس الشرع بين نفسيتين


بنت طيبة
07-01-2009, 07:17
زاوية: نظرات وكلمات


للكاتب: إبراهيم عبدالله الأزرق


لعل أهل الخير والدعوة إزاء استجابة الناس للأمر والنهي أنواع، فمنهم من فيه شبه بمحمد صلى الله عليه وسلم، وقد كان في نبينا صلى الله عليه وسلم شبه من أبيه إبراهيم وأخيه عيسى عليهما السلام، وكذا أبو بكر رضي الله عنه فيه شبه منهم، ومن الناس من فيه شبه بنوح وموسى عليهما السلام، كعمر رضي الله عنه.
وتأمل نوعين من أسف الأنبياء على أقوامهم الأول أسف محمد صلى الله عليه وسلم على المشركين من قومه المذكور في قوله تعالى: (فلعلك باخع نفسك على آثارهم إن لم يؤمنوا بهذا الحديث أسفاً)، وقارنه بأسف موسى عليه السلام من بني إسرائيل، وقد قال الله تعالى فيه: (فرجع موسى إلى قومه غضبان أسفاً) [الأعراف: 150- طه:86]، فنبينا عليه الصلاة والسلام كاد الحزن على قومه أن يهلك نفسه، وهذا أسف قريب من أسف نبي الله يعقوب على فراق يوسف: (وتولى عنهم وقال يا أسفى على يوسف وابيضت عيناه من الحزن فهو كظيم * قالوا تالله تفتأ تذكر يوسف حتى تكون حرضاً أو تكون من الهالكين) [يوسف: 84-85]... أما أسف موسى من صنيع قومه فقد كان معه غضب عليهم: (قال بئسما خلفتموني من بعدي أعجلتم أمر ربكم وألقى الألواح وأخذ برأس أخيه يجره إليه) الآية [الأعراف: 150]... فتلك منزلة وهذه منزلة..
ومن الفضلاء من فيه رأفة ورحمة وتلك سجيته منّ الله عليه فسخرها في الخير؛ حريصاً على هداية الخلق ونفعهم، ومنهم من فيه غلظة وشدة، سخرها في الخير أيضاً؛ حريصاً على النكاية بأعداء الله وكبتهم، شديداً في إنكار المناكر، غيوراً على حقوق الله وحرماته.
وهذه السجية قد تغلب على الفاضل في غير موضعها فلا يحمد عليها في ذلك المقام، وتحمد إذا كانت في موضعها، وقد وصف الله نبيه صلى الله عليه وسلم مثنياً عليه بالرأفة والرحمة والحرص واللين للمؤمنين، وقد غلبت عليه سجيته السمحة ونفسه السخية في بعض المواطن فعتب الله عليه، ومن ذلك، خبر أسارى بدر وقبوله مفاداتهم، وصلاته صلى الله عليه وسلم على عبدالله بن أبي بن سلول رأس المنافقين وقيامه على قبره، وإذنه عليه الصلاة والسلام للمنافقين الذين اعتذروا عن تخلفهم في غزوة تبوك عن جيش العسرة، فقال الله تعالى في الشأن الأول: (ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض تريدون عرض الدنيا والله يريد الآخرة والله عزيز حكيم) [الأنفال: 68]، وفي الثاني: (ولا تصل على أحد منهم مات أبداً ولا تقم على قبره إنهم كفروا بالله ورسوله وماتوا وهم فاسقون) [التوبة: 84]، وفي الثالث: (عفا الله عنك لم أذنت لهم حتى يتبين لك الذين صدقوا وتعلم الكاذبين) [التوبة: 43].
وفي هذه القضايا وغيرها تجد أثر نفسيته صلى الله عليه وسلم السمحة وضريبته اللدنة، وتأمل قوله صلى الله عليه وسلم لمّا اختلف أبوبكر وعمر رضي الله عنهما في شأن أسارى بدر! روى الحاكم في المستدرك أنه لما كان يوم بدر قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما تقولون في هؤلاء الأسارى؟
فقال عبد الله بن رواحة : ايت في واد كثير الحطب فأضرم ناراً ثم ألقهم فيها.
فقال العباس رضي الله عنه: قطع الله رحمك! وفي رواية: قطعت رحمك !
فقال عمر رضي الله عنه: قادتهم ورؤساؤهم قاتلوك وكذبوك فاضرب أعناقهم.
فقال أبو بكر رضي الله عنه: عشيرتك و قومك!
ثم دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم لبعض حاجته فقالت طائفة القول ما قال عمر، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ما تقولون في هؤلاء؟ -يعني أبابكر وعمر رضي الله عنهما- وفي رواية عند أحمد وغيره: فخرج عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "إن الله عز وجل ليلين قلوب رجال فيه حتى تكون ألين من اللبن، وإن الله عز وجل ليشدد قلوب رجال فيه حتى تكون أشد من الحجارة" ، وفي سياق ما رواه الحاكم وغيره أنه صلى الله عليه وسلم قال: إنّ مَثَلَ هؤلاء كمثل إخوة لهم كانوا من قبلهم: {وقال نوح رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا}، وقال موسى: {ربنا اطمس على أموالهم واشدد على قلوبهم} الآية، وقال إبراهيم: {فمن تبعني فإنه مني و من عصاني فإنك غفور رحيم}، وقال عيسى: {إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم} وأنتم قوم فيكم غيلة فلا ينقلبن أحد منكم إلا بفداء أو بضرب عنق... الحديث .
وهكذا كثير من الأفاضل اليوم، ربما حبا الله بعضهم نفوساً فيها رحمة عظيمة ورأفة، فيغلب عليهم هذا الطبع فيجنحون إلى نوع من التسامح أو العذر للمخالفين لا يقرون عليه، وحق الله أولى أن يرعوه.
وفي مقابل هؤلاء ربما وجدت بعض الأفاضل فيهم قوة عظيمة في الحق وشدة، فيغلب عليهم ذلك الطبع في مواطن لا تناسبه فلا يقرون على شدتهم فيها.
ومنهم من ارْتَبكت نفسيته فتركَّبَت من الخليطين فتجد فيه من طبع الأول ومن طبع الثاني، وتأمل في واقعك من تحيط بسيرته علماً تجد مصداق ذلك.
وفي نظري أن ذلك كله ليس عيباً أو نقصاً بالنسبة للبشر، فطبعهم متقاض لهذا ولابد، فهو أمر طبعي، ولذا لم ينفك أثر الطبع عن الأنبياء عليهم السلام، وخير القرون من بعدهم، وكل ميسر لما خلق له، وكل ابن آدم خطاء، لكنْ محل الإشكال والخلل العظيم في استرسال المرء مع ذلك الطبع، فلا يرعوي عنه إن ذكر بمقتضى الشرع في الواقعة المعينة، سواء حمله هواه إلى الجنوح نحو تأويلات بعيدة تتفق مع طبعه، أو أعرض عن الناصح المذكر.


عدد محرم 1430هـ

الدانه
29-01-2009, 06:01
ربي يعـــــــــآآفيك يارب